أبي الفتح الكراجكي
54
دليل النص بخبر الغدير
وأما الذين غلطوا فقالوا : إن السبب في ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الغدير إنما هو كلام جرى بين أمير المؤمنين وبين زيد بن حارثة ، فقال علي عليه السلام لزيد : أتقول هذا وأنا مولاك ؟ ! فقال له زيد : لست مولاي ، إنما مولاي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فوقف يوم الغدير فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، إنكارا على زيد ، وإعلاما له أن عليا مولاه ( 46 ) ! فإنهم قد فضحهم العلم بأن زيدا قتل مع جعفر بن أبي طالب عليه السلام في أرض مؤتة ( 47 ) من بلاد الشام قبل يوم غدير خم بمدة طويلة من الزمان ( 48 ) ، وغدير خم إنما كان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بنحو الثمانين يوما ، وما حملهم على هذا الدعوى إلا عدم معرفتهم بالسير والأخبار ( 49 ) . ولما رأت الناصبة غلطها في هذه الدعوى رجعت عنها ، وزعمت أن الكلام كان
--> ( 46 ) أنظر : العقد الفريد 5 : 357 . ( 47 ) مؤتة - بالضم ثم واو مهموزة ساكنة ، وتاء مثناة من فوقها ، وبعضهم لا يهمزه - قرية من قرى البلقاء في حدود الشام ، وقيل : مؤتة من مشارف الشام ، وبها كانت تطبع السيوف وإليها تنسب المشرفية في السيوف . أنظر : معجم البلدان 5 : 219 . ( 48 ) نقلت كافة كتب التاريخ والسير والحديث بلا أي خلاف بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان للهجرة ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله ابن رواحة ، واستشهدوا هناك في تلك السنة واحد بعد الآخر . أنظر : تأريخ الأمم والملوك - للطبري - 3 : 36 ، الكامل في التأريخ - لابن الأثير - مروج الذهب - للمسعودي - 3 : 30 / 1493 ، المغازي - للواقدي - 2 : 755 ، السيرة النبوية - لابن هشام - 4 : 15 ، السيرة النبوية - لابن كثير - 3 : 455 ، معجم البلدان - للحموي - 5 : 219 . ( 49 ) إنه لأمر غريب فعلا أن يحدث هذا الخط الفاضح ، الذي يبدو مستهجنا ممن يملك أدنى معرفة بشئ من التأريخ ، ناهيك بمن يتجرأ ليكتب التأريخ ، ويسطر فيه الوقائع والحقائق . ولا أجد لذلك تفسيرا إلا أن الله تعالى شاء أن يفضح أولئك الذين أعماهم الحقد عن رؤية شمس الحق . وتالله إن الأمر ليبدو أوضح من أن يلتبس به أحد ، فكتب الحديث والسنن التي نقلت هذه الواقعة تشير نصا إلى أنها كانت في حجة الوداع . كما أن كل كتب التأريخ نذكر أن هذه الحجة كانت في السنة العاشرة من الهجرة النبوية ، وهي لا تختلف أيضا في أن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في السنة الحادية عشر ، فأين هذه من تلك ؟ !